ابو القاسم عبد الكريم القشيري
13
لطائف الإشارات
وكان كثير المال جوادا ، وكان مرموقا بالوزارة ، وداره مجتمع العلماء ، وملتقى الأئمة ، ونظرا لما عرف عنه من تعلّق بالمذهب الأشعري ، وذود عنه ، وسعى حثيث لنشره فقد ألهب ذلك حقد الكندري ، خاصة وقد كان يخشى أن يقع اختيار السلطان عليه للوزارة من دونه ، فمضى يلفق - لدى السلطان - عنه التهم . ولم يكتف بذلك بل لجأ إلى حيلة دنيئة حين حصل من السلطان على تفويض بسبّ المبتدعة على المنابر ، فلم يجد السلطان في ذلك بأسا ، فوافق عليه ، ولكن الكندري استغل هذه الموافقة فأقحم اسم أبى الحسن الأشعري ضمن المبتدعة الواجب سبّهم ، وكل من كان يرفض الانصياع لذلك من الوعاظ والخطباء يفصل من عمله ، ويطرد من البلاد ، فنجم عن ذلك شر خطير ، وفتنة كبرى امتد شررهما إلى سائر المشرق ، وبات الأشاعرة في حزن مقيم . وفي وسط هذه المحنة ، وذات يوم كثيب أسود جاء الأمر من قبل السلطان بالقبض على القشيري وإمام الحرمين والرئيس الفراتي وأبى سهل الموفق ، ونفيهم ، ومنعهم من المحافل ، وحين قرئ الكتاب هجم جماعة من الأوباش على الأستاذ الفراتي وعلى القشيري وأخذوا يجرونهما في الطرقات ، ويكيلون لهما أقذع أنواع التهكم والاستخفاف حتى وصل الشرطة بهما إلى محبس القهندر . أمّا إمام الحرمين فقد هرب من البلاد على طريق كرمان ، واتجه إلى الحجاز ، وهناك جاور ، وأمّا أبو سهل . فقد كان لحسن الحظ غائبا في بعض النواحي . وبقي السجينان الجليلان في المحبس ، وقامت جماعات كبيرة من الناس لإنقاذهما ، وحدثت حرب دامية بينهم وبين رجال السلطان انتهت بهزيمة رجال السلطان ، وأخرج السجينان الجليلان من سجنهما ، ولكن كبار الأشاعرة اجتمعوا وقرروا أن جهاز الحكم لن يهدأ له قرار ، وأن الخير في رحيل أئمة المذهب إلى أماكن نائية عن المشرق . فترك القشيري وطنه وبيته وأهله وعشيرته ، ومضى يضرب في الأرض الواسعة عشر سنوات كاملة ، كان خلالها موضع التكريم والتبجيل ، وأقبل الناس عليه وعلى دروسه إقبالا عظيما ، حتى لقد خصص الخليفة العباسي - القائم بأمر اللّه - له مجلسا خاصا في مسجد قصره ، وكان يواظب على شهود وعظه ومجلس حديثه ، ويكرمه ، ويحظى ببركته .